الرئيسية تصريحات خطاب رئيس الحركة في ملتقى الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله (12)

خطاب رئيس الحركة في ملتقى الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله (12)

كتبه كتب في 12 يونيو 2015 - 3:56 ص
مشاركة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

خطاب رئيس الحركة د. عبد الرزاق مقري في ملتقى الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله (12).

 السيد مدير الملتقى،
السادة أعضاء المكتب التنفيذي الوطني،
السادة ضيوفنا الأفاضل من خارج الوطن،
السادة ضيوفنا الأفاضل من مختلف الأحزاب والمنظمات،
السادة المشاركون الإخوة الأفاضل والأخوات الفضليات ممثلو هياكل ومؤسسات الحركة في مختلف ولايات الوطن،
السادة الصحفيون والصحفيات، السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته،
نشكركم جميعا على حضوركم في هذا الملتقى السنوي الذي نجتمع فيه كل عام وفاء لشيخنا وقائدنا وأستاذنا فضيلة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، نتذكر فيه مآثره فنثبتها مرجعا وأسوة للأجيال جيلا بعد جيل، نستلهم من حكمته وعلمه ما ينفع يومنا، ويحدث بعضنا بعضا عن خلقه وسلوكه ما نحصن به في كل يوم مسالكنا، نتذكر معا وطنيته ودينه ومروءته حتى تصان، مهما كانت الأهوال والمطامع والمخاوف، مقاصدُنا.
إن الموضوع الذي اخترناه لملتقانا هذا هو الموضوع الذي دعانا الشيخ محفوظ نحناح للتأمل فيه والتخطيط والاستعداد له في السنوات الأخيرة من حياته ضمن ظروف قاسية اجتمع فيها عليه بدايات المرض وتعسف النظام السياسي في حقه وفي عرضه، بل في الحركة كلها وفي الجزائر بأجمعها. لقد دعا رحمه مباشرة بعد الانتخابات الرئاسية سنة 1999 إلى التحوط من انهيارات أخرى ستصيب البلد بعد أن بذل المهج في سبيل معافاته واستقراره، هو وكثير من الوطنيين الخلص في هذا البلد. لقد دعانا لبلورة رؤية مستقبليةوالقيام بمراجعات عميقة ضمن المنهج السلمي تتجاوب مع تطورات خطيرة ستبدأ تظهر في خلال عقد من الزمن سيشب فيها الوضع عن الطوق كما قال في محاضرة بالجامعة الصيفية سنة 2000 سنعود إليها بصورة أوضح في فقرة من فقرات هذا الملقى.
لقد كان الواجب يتطلب منا أن نبدأ بتلك المراجعات مباشرة بعد تلك التنبيهات، غير أن اشتداد المرض عليه منعه من أن ينصرف إليها، ومنعنا نحن اضطراب الصف الداخلي بعده أن نهتم بذلك. لقد نبهنا الشيخ محفوظ نحناح مبكرا إلى ضرورة الاستشراف والبحث عن البدائل وركز أيما تركيز على التنمية التي أرادها أن تكون مرتكز النضال السياسي للحركة في تلك المرحلة فكان شعار الحملة الانتخابية التشريعية سنة 2002 هي ” السلم والتنمية” ثم بذل جهدا كبيرا لتشكيل اللجان القطاعية المتخصصة التي تواصل خطة هذا الشعار تحت مسمى ” حكومة الظل” إذ طلبنا منا كنواب أن نبادر لذلك وكلفني كرئيس للمجموعة البرلمانية أن أسعى للأمر. غير أن وفاته العاجلة بعد هذا التوجه وما تبعها من اضطرابات داخلية أدخلتنا في ظروف أصبح إنقاذ الحركة هي الأولوية ولم يكن ثمة ظرف مناسب للتفكير والانصراف لهذه القضايا الكبيرة. لقد علم الشيخ محفوظ نحناح بأن الخطر الجديد الذي أصبح يهدد البلد ليس هو الإرهاب وإنما هو نمط شخصية الحاكم ذكرها بوصفها ومآلهافي محاضرته  تلك.
أيها الإخوة والأخوات،
لقد صدق الشيخ محفوظ رحمه الله، إن الشأن الذي أصبح يؤثر على مستقبل الدول والشعوب هو واقع التنمية وماتتطلبه من حكم راشد يقدر عليها ويحسنها. إنه إن سخر الله لشعب ما ودولة ما نظاما سياسيا راشدا فإن المستقبل يكون مشرقا والاستقرارَ مضمونا والتطورَ ثابتا والقوة حاصلة والعزة ظاهرة، فإن ابتلي شعب بنظام فاسد وفاشل فستحل بهذا الشعب الويلات والعياذ بالله، طال الزمن أم قصر، وسيكون التخلف هو العنوان، والظلم هو الشائع، والفتن هي المآل، والفقر هو السائد، والجهل هو القرين.
لقد تحدثنا كثيرا، في مناسبات عديدة عن مآسينا وتخلفنا في العالم العربي ومنه بلدنا الجزائر، ولا أجد حاجة للمزيد في هذا الملتقى الذي يريد أن يكون إيجابيا من خلال اهتمامه بالنماذج الناجحة وسبل اللحاق بركب النجاح. ولذلك أضع بين أيديكم أرقاما لنموذجين ناجحين من عالمنا الإسلامي حتى يكون التشبيه قريبا من حيث الثقافة والفكر والحضارة ثم أسأل نفسي وإياكم هل نستطيع أن نفعلها مثلهما وكيف السبيل لذلك.
تحكي لنا الإحصاءات الثابتة أن تركيا كانت سنة 1999 جاثمة على ركبتيها تكاد تعلن الإفلاس تترجى صندوق النقد الدولي أن يأتي لإنقاذها بمعالجة مديونيتها وإعادة هيكلة اقتصادها بما لا يزيدها إلا تقهقرا كما وقع لكثير من الدول، فإذا برحمة الله تكتنفها بحزب وقادة راشدين هو حزب العدالة والتنمية بزعامة الطيب رجب أردوغان فإذا به يحدث ما يلي:
– في الخمس سنوات الأولى ارتفعت صادرات تركيا من 30مليار دولار إلى 160 مليار دولار نصفها لأوربا أي ذات جودى عالية.
–  في عشر سنوات كان دخل الفرد في تركيا 3500 دولار سنوي ارتفع عام 2013 إلى 11 ألف دولار وهو أعلى من نسبة دخل المواطن الفرنسي ورفع قيمة العملة التركية إلى 30 ضعف
– الناتج القومي لتركيا عام 2013 حوالي ترليون ومائة مليار دولار وهو يساوي مجموع الناتج المحلي لأقوى أقتصاديات ثلاث دول في الشرق الأوسط إيران السعودية والإمارات فضلا عن الأردن وسوريا ولبنان.
– قفزت تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية  قفزة مذهلة من المركز الاقتصادي 111 إلى 16 بمعدل عشر درجات سنوي مما يعني دخوله إلى نادي مجموعة العشرين الأقوياء الكبار ( G-20 ) في العالم
– صنعت تركيا صنعت للمرة الأولى في عهد حكومة مدنية أول دبابة مصفحة وأول ناقلة جوية وأول طائرة بدون طيار وأول قمر صناعي عسكري حديث متعدد المهام
– مطار اسطنبول الدولي أكبر مطار في أوروبا ويستقبل في اليوم الواحد 1260 طائرة فضلا عن مطار صبيحة الذي يستقبل 630 طائرة
– في عشر سنوات زرعت تركيا مليارين و 770 مليون شجرة حرجية ومثمرة
– بنت تركيا في عهد أردوغان في عشر سنوات 125 جامعه جديدة و 189 مدرسة و 510 مستشفيات و 169 ألف فصل دراسي حديث ليكون عدد الطلاب بالفصل لا يتجاوز 21 طالب
– عندما اشتدت الأزمة الاقتصادية التي اجتاحت أوروبا وأمريكا رفعت الجامعات الأمريكية والأوروبية الرسوم الجامعية بينما أصدر أردوغان مرسوما بجعل الدراسة في كل الجامعات والمدارس التركية مجانية وعلى نفقة الدولة
– في تركيا ارتفعت الرواتب والأجور بنسبة 300% وارتفع أجر الموظف المبتدئ من 340 ليرة إلى 957 ليرة تركية وانخفضت نسبة البطالة من 38% إلى 2%
كما تحكي لنا الإحصائيات الثابتة بخصوص ماليزيا ما يلي:
– كانت صادرات ماليزيا قبل مهاتير 5 مليار دولار وترك الحكم بعد 22 سنة و صادرات ماليزيا اكثر من 500 مليار دولار.
– تحولت ماليزيا في عهد مهاتير من دولة زراعية تعتمد على إنتاج وتصدير المواد الأولية إلى دولة صناعية متقدمة يساهم قطاعي الصناعة والخدمات فيها بنحو 90% من الناتج المحلي الإجمالي، وتبلغ نسبة صادرات السلع المصنعة 85% من اجمالي الصادرات، وتنتج 80% من السيارات التي تسير في الشوارع الماليزية.

– كانت النتيجة الطبيعية لهذا التطور ان انخفضت نسبة السكان تحت خط الفقر من 52% من اجمالي السكان في عام 1970، أي أكثر من نصفهم، إلى 5% فقط في عام 2002، وارتفع متوسط دخل المواطن الماليزي من 1247 دولارا في عام 1970 إلى 8862 دولارا في عام 2002، أي أن دخل المواطن زاد لأكثر من سبعة أضعاف ما كان عليه منذ ثلاثين عاما، وانخفضت نسبة البطالة إلى 3%
– تضاعف دخل الفرد السنوي في ماليزيا سبع مرات، ليصبح 8862 دولاراً في عام 2002، والواقعون تحت خط الفقر أصبحوا 5 في المئة من السكان، بعد أن كانت نسبتهم 52 في المئة قبله.
أيها السادة والسيدات،
هل هؤلاء القادة الذين أنقذوا بلدانهم وطوروها هم خلق نزل من السماء، أمدهم الله بقدرات خارقة غير موجودة في غيرهم؟ إن الجواب الصارم أن هؤلاء هم بشر مثلنا، وإنما توفرت فيهم وحولهم شروط أساسية منها:
ـ هم أشخاص على قدر عال من الأخلاق والنزاهة والنظافة.
ـ هم أشخاص وطنيون يخدمون بلدانهم بصدق وتجرد، ويسمعون لشعوبهم دون تحايل ولا خداع.
ـ هم أشخاص لهم قدرات علمية وفكرية متميزة ومتقدمة.
ـ هم أشخاص لهم رؤية رصينة وخطط محكمة، أشخاص انتهجوا الطرق العصرية الناجحة في الإدارة والحوكمة والتطوير ومحاربة الفساد.
ـ هم أشخاص أعطوا أهمية قصوى للإنسان وحقوقه وكرامته وتكوينه وتأهيله وتدريبه.
ـ هم أشخاص استفادوا من دعم نخب وفرق عمل مؤهلة وصادقة، وشعوب واعية ومؤيدة.
ـ هم أشخاص استفادوا من أجواء الحريات والديموقرطية إذ ما كان لهم أبدا أن يفعلوا ما فعلوا لو لم ترفعهم صناديق الاقتراع، لو لم يكن لهم تقدير لأصوات الناخبين مهما كانت خياراتهم.
أيتها السادة والسيدات،
إن هذه الصفات وهذه الشروط يمكنها ان تتوفر في أي قائد من قادة شعوبنا العربية وفي أي رجل من رجال بلدنا الجزائر شريطة أن يأخذ نفسه بالعزائم وأن يشتغل على تطوير نفسه وتطوير من حوله وتوفير الشروط المجتمعية والسياسية المساعدة لذلك، وإننا في حركة مجتمع السلم نسعى لهذا بكل عزم، للوصول إلى ما وصلت إليه ماليزيا وتركيا، وكذلك أندنوسيا والبرازيل وكوريا الجنوبية وأي دولة من هذا الصنف من الدول التي كنا وإياها على مستوى واحد في بداية الثمانينيات. بل إننا، بما تملكه الجزائر من إمكانيات جبارة تخصها، نقول في حركة مجتمع السلم بأننا قادرون بإذن الله أن نكون أفضل من هذه الدول.
ولتحقيق هذا لطموح نحن نعمل في حركتنا على ثلاث مستويات لتوفير شروط الإقلاع الأساسية التي ذكرناها أعلاه:
ـ أول هذه الشروط هو لاشتغال على أنفسنا كأفراد وحركة بمختلف هياكلها ومؤسساتها والتوجه للمجتمع استمرارا لمجهودات الإصلاح المجتمعي الذي هو أصلنا وعملنا الأول، تكوينا للأفراد وتأسيسا للمؤسسات وتطويرا للإنجازات،نكون أهلا للقيام بهذا الواجب الذي سيمنحنا كل التشريف والتكريم سواء وصلنا إلى مبتغانا بأنفسنا، أم بقدرتنا على تشكيل ثقافة مؤسسية جديدة تمكن الأجيال المستقبلية في حزبنا وفي غيره من تجسيد طموحاتنا في وسط مجتمع يتجه نحو الإدراك و المستوى المطلوب من الوعي والتحضر الذي ننشده، وقد وضعنا لهذا الشأن خططا وصممنا مشاريع ينصرف جل وقتنا وجل اهتمامنا لها، أكثر بكثير مما نصرف من جهد وهم ووقت في شأن الصراعات السياسية التي يظهرها الإعلام أكثر من غيرها.
ـ وأما المستوى الثاني من هذه الشروط هو إعداد الرؤية التنموية العامة التي تناسب الجزائر،المكافئة لهذا الطموح وقد انطلقنا منذ قرابة سنة كاملة في تطوير رصيدنا في هذا الشأن من خلال دراسات واستشارات واسعة مع عدد من العلماء والخبراء أنتجت وثيقة مرجعية مهمة حددنا فيها فكرنا التنموي وأساسيات رؤيتنا الاقتصادية، ثم أسسنا لجانا قطاعية متخصصة من وزرائنا السابقين وإطاراتنا وأكاديميينا ستقوم بتفريع وتسديد رؤيتنا التنموية في كل قطاع من القطاعات للوصول إلى تحقيق طموح الشيخ محفوظ نحناح المتمثل في إيجاد حكومة ظل تحمل رؤية عامة وبرنامجا مفصلا، مؤهلة للحكم والتسيير والتدبير في أي لحظة تتاح فيها فرصة حقيقية كما أتيحت لقادة تركيا وماليزيا.ـ
ـ وعن المستوى الثالث فوهو توفير الأجواء السياسية المناسبة المتمثلة في تحقيق الديموقراطية وتوفير الحريات التي بغيرها لا يتصور على الإطلاق الوصول إلى تحقيق طموح أي حزب جاد يريد أن يطبق برنامجه ورؤيته من خلال الإرادة الشعبية، ولا بد أن ننبه هاهنا بأن أردوغان الذي نعتز جميعا بإنجازاته ما كان له أن يفعل ما فعل لو لا صناديق الاقتراع التي حملته للبرلمان والحكومة والرئاسة، والتي أعطته في الانتخابات الأخيرة رسالة شعبية كبيرة مفادها أننا نريدك رئيسا وليس سلطانا وقد فهمها جيدا وستجعله أكثر قوة وأكثر حكمة.
إن كفاحنا في الجزائر من أجل الحريات والانتقال الديموقراطي قضية جوهرية من حيث أنها مبدئية تتعلق بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن حيث أنها وطنية تتعلق بإنقاذ وطن نخشى أن يوصله الفساد والفشل إلى انهيارات مستقبلية كالتي تنبأ بها الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله بين 2010-2020 كما قال، ومن حيث أنها ضرورة سياسية سواء من ناحية الفكر السياسي العصري الذي يجعل الحريات والديموقراطية أساس التغيير والتطوير أم من حيث السياسة الشرعية والفقه المقاصدي الذي يفهمنا بأن توفير الحريات مقصد من مقاصد الشريعة مسبق على تطبيق الشريعة نفسها وأنه يندرج ضمن القاعدة الأصولية (( ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب))، وعلى هذا الأساس انخرطنا مع غيرنا من الجزائريين من مختلف التيارات في تشكيل تكتلات سياسية معارضة  لتحقيق الانتقال الديموقراطي وفق رؤية موحدة هي أرضة مازفران.
أيها السادة، أيتها السيدات،
بما ان حديثنا اليوم يتعلق بتحديد الرؤية التنموية العامة فإننا قد وزعنا عليكم وثيقتنا المرجعية التي سميناها ” مقدمة حول الإطار الفكري لبرنامج حركة مجتمع السلم ” وتمثل هذه الوثيقة النهج الذي تسير عليه الحركة ضمن الظروف العادية للحكم في حالة الاستقرار المجتمعي والانضباط الدستوري والاحترام الصارم للدورات الانتخابية. وتضمن هذه الورقة سبعة محاور هي:
1 ـ النظرية الاقتصادية لحركة مجتمع السلم.
2 ـ هرم الاحتياجات الإنسانية التي يهدف لها برنامج الحركة.
3 ـ المال وحق التملك.
4 ـ  دور الدولة وقطاعات الإنتاج الثلاثة (العمومي، الخاص، التضامني).
5 ـ المؤسسة الاقتصادية.
6 ـ السياسة النقدية والسياسة المالية.
7 ـ الرؤية المستقبلية ومجالات الإصلاح العشرة لتطبيق البرنامج الاقتصادي لحركة مجتمع السلم.
أيها السادة، أيتها السيدات،
إن هذه النظرية التنموية هي التي ننافس بها ديموقراطيا لو كانت ثمة ديموقراطية، وهي التي نحقق بها تطورا سريعا لبلادنا نزعم أننا نستطيع أن نجعل بها الجزائر على مدى خمس سنوات القِبْلة المفضلة للخدمات في مختلف المجالات في العالم العربي، وأن تحقق خلال عشر سنوات أمنها الغذائي، وأن تصبح على مدى عشرين سنة دولة صناعية رائدة في إفريقيا والعالم العربي وضمن الدول الصناعية العشرين في العالم. غير أن الذي يمنع تحقيق هذا الطموح منذ سنوات هو غياب الديموقراطية وحرية التنافس، وقد زاد على هذا العائق عائق آخر وهي سياسة الأرض المحروقة التي انتهجها النظام السياسي والفرص الضائعة التي كبدها البلاد خصوصا في 15 الماضية حيث انفق أكثر من 800 مليار دولار دون أن يصل معدل النمو 4 بالمائة في كل هذه السنوات ولم يصل نسيج المؤسسات الاقتصادية 600 ألف مؤسسة بعيدا عن رقم  1.2 مليون مؤسسة الضروري للخروج من التبعية للمحروقات، وأخطر ما في الأمر أن 70 بالمائة من أجور العمال تدفع من مداخيل المحروقات، هذه المداخيل التي أضحت غير كافية لتحقيق التوازنات الكبرى والمرشحة للتراجع أكثر خلال ثلاث إلى خمس سنوات مما يجعل البلد على كف عفريت خصوصا إذا أضفنا إلى ذلك حجم الفساد وصراعات الأجنحة وكسر أو إضعاف المؤسسات الرسمية والمجتمعية.
إن هذا الوضع جعلنا نتوقع بأن ظروف التنمية والإقلاع الاقتصادي ستكون عسيرة جدا وأنه لم يصبح ممكنا للنظام السياسي القائم ولا لأي حزب سياسي أن يقوم بذلك بمفرده ولو أخذ كل أصوات الناخبين في انتخابات ديموقراطية. ذلك أن الاستمرار في تسيير شؤون البلد بسياسات شراء الذمم لن يسمح به الوضع الاقتصادي والمالي الآخذ في التأزم بسبب ثالوث تراجع الاحتياطات وانخفاض الأسعار وارتفاع الاستهلاك المحلي للطاقة، كما أن استفراد أي قوة سياسية بالحكم بغير رؤية اقتصادية مناسبة ولا تعاضد سياسيقوي ولا تضامن اجتماعي شامل سيجعل الانهيارات حتمية قد تذهب بالبلد كله.
ولذلك فإن رؤيتنا في هذه الظروف تقوم على المرتكزات الآتية:
1 ـ انتقال ديموقراطي يسمح بتوسيع قاعدة الحكم ضمن مقصد تشاركي صادق يجمع كل القوى الوطنية دون استثناء وقد فصلنا أهدافه وآلياته في ورقتنا في ندوة مزافران السنة الماضية وفي اللقاء المغلق لقوى المعارضة في الأسبوع الماضي.
2 ـ الاتفاق على رؤية اقتصادية متوسطة وبعيدة المدى محصنة من التوترات السياسية تعتمد على تنويع الاقتصاد ببناء المؤسسات الاقتصادية ضمن معايير الحكم الراشد العالمية.
3 ـ المحافظة على التوافق في الحكم مهما كانت نتائج الانتقال الديموقراطي بغرض تصليب الديموقراطية وحماية البناء الاقتصادي.
4 ـ مواجهة التوترات الاجتماعية التي تنجم عن التحول الاقتصادي البعيد عن ثقافة الشعبوية والتوزيع السياسي للريع بسياسات تضامنية جديدة ترتكز على ما يلي:
ـ وقف كل نوع من أنواع المعارضة الحزبية والنقابية ما التزمت الحكومة التوافقية بميثاق التوافق ولا سيما الابتعاد عن كل نوع من أنواع الفساد وحماية الرداءة وسوء التدبير.
ـ إعطاء القدوة في التقشف والتقليل من الإنفاق من المسؤولين والمؤسسات الرسمية.
ـ توجيه التضامن نحو الطبقات المعوزة حقا ولا يكون ذلك إلا من خلال منظومة معلوماتية عصرية تشمل كل بلديات الوطن.
ـ تحقيق العدالة في السياسة والإدارة الجبائية.
ـ تحرير المجتمع ودعم العمل التطوعي والتعاون والتضامن المجتمعي في كل المجالات من خلال شبكات المجتمع المدني، وحشد وتنظيم القوى المالية المجتمعية الضخمة المتعلقة بأموال الزكاة والصدقات والأوقاف ومختلف الموارد المرصودة من قبل أفراد المجتمع لأغراض التنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية بشكل تطوعي واستجابة للالتزامات الدينية وإرادة السمو الأخلاقي والإيماني التي تساعد على تقليص معدلات الفقر والفروق الاجتماعية، ودعم القدرة الشرائية المشجعة للإنتاج الوطني وتقوية المؤسسات الاقتصادية وتعديدها، كما يساعد في التوزيع الفعال للثروات والدخول، ويساند بشكل كبير خزينة الدولة من خلال تخفيض الإنفاق العام الحكومي بمقدار ما يتوفر في المجتمع من موارد وقفية وتكافلية متنوعة تحقق التضامن والرعاية الاجتماعية وتوفر فرص واسعة للخدمات العامة.
أيها السادة والسيدات،
هذه مقاصدنا وهذه رؤانا التي نجدد أمامكم التزامنا بها حتى تثبت الديموقراطية وتُضمن الحقوق فيتحمل كل حزب مسؤوليته في تقديم برامجه وفي تسيير الشأن العام بمفرده وببرنامجه إذا أعطته الجماهير ثقتها أو ضمن تحالفات تفرضها نتائج الانتخابات، ويتحمل الشعب مسؤوليته بالاختيار الراشد للأكفأ والأقدر على تلبية طموحاته وتحقيق أشواقه وصيانة خياراته الحضارية والمادية في مختلف المجالات فيصبح يوما ما التداول السلمي على السلطة هو صانع الإبداع وحافظ البلاد وخادم العباد، قد يقول قائل إنها أحلام كبيرة فنقول لا يكبر شيء على أصحاب الهمم العالية الواثقة بالله سبحانه، وأحلام اليوم حقائق الغد يقول الله تعالى: (( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)). نسأل الله التوفيق والسداد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تعليق

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً