التجديد عند مؤسس “حمس“
دلائله – معالمه – قيمه
بين ذكريي التأسيس و رحيل المؤسس تقوى دواعي الكلام عن الحركة (حمس)..وفي ظرف كثر فيه الكلام عن المراجعات وعن التجديد و فضل الدعاة والحركات فيه يتأكد التذكير بفضل مؤسس هذه الحركة في ذلك.
والمقصود بالتجديد هو حدوث ما لم يألفه الناس في الساحة الإسلامية في الجزائر(على الأقل) من الأساليب والرؤى والأفكار والمفردات الدعوية والسياسية التي جعل الشيخ محفوظ نحناح (رحمه الله )حركته تتميّز بها ، سواء كان ذلك من إبداعاته الخاصة أم مما ورثه عن غيره نظريا ولكنه أثبته وفرضه على أرض الواقع عمليا.
وفي ما يأتي تسع إشارات مبرهنة على هذا التجديد وواصفة له، كل ثلاث منها في واحد من ثلاثة جوانب هي: الدلائل الدالة على أن التجديد قد حدث بالفعل والمعالم التي تبرز المظاهر المشخصة له والقيم المبيّنة لأهميته وخسائر تركه؛ وذلك كله من وجهة نظر معايشة للتأسيس.
- أـ الدلائــــــــــل: مما يثبت وجود التجديد المذكور بالفعل ثلاثة دلائل هي:
1- مخالفة تيار الصحوة العام في بعض التوجهات السائدة ، والتي كانت بمثابة البديهيات مثل: المعارضة الحادة بل المعاداة المطلقة للسلطة والنظام الحاكم ورد الفعل بعنف والاستجابة للاستفزازات دون روية، و قد واجهت هذه المخالفة معارضة شديدة في أوساط التيار الإسلامي بلغت عند البعض درجة المعاداة الحقيقية.. وسنعرف عند الكلام عن معالم المنهج أن المرحوم قد هذّب هذه التوجهات في حركته، والمهم هنا التذكير بما لا ينكره أحد مما كان عليه عموم أهل الصحوة.. لنثبت أن مخالفة الشيخ وحركته له كانت تجديداً.
2- العنت الذي كان يلقاه المرحوم في إقناع أتباعه ببعض مواقفه وصعوبة صناعة بعض القرارات وفق نظرته في مؤسسات حركته ، وكذا الصراع الداخلي الذي يعانيه الكثير من أتباعه في قبول مثل هذه المواقف والقرارات والذي سببه أنها في الغالب مخالفة لما تكوّنوا عليه في بدايات الصحوة قبل دخولهم في تنظيمه، مما جعل بعضهم يفارقه، ولاشك أن معظم المناضلين القدماء يتذكرون معنا أنه في كثير من المواقف ما كان يشدّنا إليه إلاّ العهد الذي بيننا وبينه.. ولكن “في الصباح يحمد القوم السري”، كما يقول المثل العربي.
3- تميّز الحركة العملي على أرض الواقع “بالوسطية والاعتدال” في ممارستها الدعوية والسياسية وتحقيقها لما رفعته من شعارات: ” الواقعية، المرحلية، الموضوعية.” ويظهر ذلك جليا في تعاملها مع السلطة، مِمَّا كان سببا في توتر العلاقات مع بعض الفصائل الإسلامية الأخرى لحد اتهام الشيخ وحركته بالعمالة أحيانًا، وما تفطنوا لصحة نهجه إلا بعد فوات الأوان.
ويجمع أدلة التجديد هذه كلها الشهادات التي ذكرت في تأبينه وعناوين الجرائد التي نعته ووصفت جنازته (رحمه الله) وقد اتفقت جميعها على أنه كان مجدّدا ومتميّزا عما ألفه الناس في رجال الدعوة وفي السياسة عموماً في الجزائر على الأقل.
- ب ـ المعـــــــــــالم: إن المعالم التي تشخّص التجديد وتحدّده عديدة ولكن نكتفي هنا بذكر ثلاثة منها نراها الأهم والأَوْلى بالذكر في هذه الظروف على الخصوص:
- 1- المعارضة الإيجابية:
إن ما كان سائدًا في الحركة الإسلامية هو المعارضة الراديكالية الحادة والرفض المطلق- تقريبا- لكل ما يأتي من النظام الحاكم، ومن الأدلة الشاهدة على ذلك الخطب النارية في المساجد وكذا مبدأ المغالبة الذي تبناه الحزب الإسلامي الحائز على الأغلبية في نهاية الثمانينات (الفيس)، ولكن (حمس) بقيادة الشيخ محفوظ (رحمه الله) كانت معاكسة للتيار راسمة بذلك خطًّاً جديدًا متمّيزًا لم يعرف من قبل في المعارضة سمي (المعارضة الإيجابية) شعارها ” نقول للمحسن أحسنت وللمسيئ أسأت ” متبنية مبدأ ” المشاركة ” محاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه ويظهر في مواقفها الحرص على المصلحة العليا للوطن من خلال تنازلاتها وتسامحها في محطات عديدة أبرزها الصبر على التزوير!!.. وقد كان معروفاً لدى الجميع الخطاب التوافقي التوحيدي الذي كان يلهج به المرحوم بنبرة أخوية جامعة داعية إلى الحكمة والتعقّل بعيداً عن الحزبية الضيقة والأنانية المتعصبة .. وبذلك كانت علاقة الحركة ومؤسسها مع السلطة وشخصياتها متميزة.. ولكن القوم لم يثمنوها، مما دفع الشيخ إلى القول:« نحن في الحكومة ولسنا في الحكم».. ولقد اعتبر الشيخ راشد الغنوشي – في تأبينيه للمرحوم – هذه العلاقة تجديدًا لعلاقة الترابط و التقارب بين السلطان(الحاكم) والعالم(الداعية) التي هي الأصل في الإسلام ولكنها غابت في العصر الحديث، وختم الفكرة بقوله “رحم الله..الشيخ محفوظ بقدر ما جدّد و أشاع من قيم الإسلام..”.
2- السلمية وضبط النفس:
ومما يشهد الجميع أنه كان سائدًا أيضًا في أوساط الصحوة الإسلامية في الجزائر، الحماس المفرط والاستعجال والاستعداد السريع لرد الفعل العنيف دون رويّة وضبط نفس، بدليل الاستجابات المتسرعة لكل عمل مسلح بلا ضابط.. وذلك لسببين رئيسين، أحدهما: أن السواد الأعظم في الصحوة كان من الشباب الفائر والثائر بطبعه، والسبب الآخر هو: ندرة العلماء والدعاة الموجهين مع قصر التجربة.. ولكن الشيخ محفوظ وجماعته كانوا كابحين وموجهين ومعقلنين، والشواهد على ذلك كثيرة..منها:
-النداءات المتعددة الداعية لعدم الاستعجال وتوحيد الإسلامين تحت قبة دعوية واحدة (رابطة الدعوة).
– التصريحات المناهضة للعنف من أي طرف كان وكلامه عن أصحاب العنف«الشاقوريست» قبل ظهورهم مشهور.
– عدم رد الفعل على الاستفزازات المتكررة أقواها اغتيال قيادات الحركة ومناضليها وأدناها التزوير و”الحقرة”السياسية.
– نظافة اللسان والتعفف عن السب والشتم وكل ما يثير الأحقاد والفتن، رغم ما كانت تتلقاه الحركة ورموزها من ذلك .. فقد كانت تصلنا من القيادة أيام الفتن والمحن بأن نكون للوطن ” كالزيت المحرك “!!-
– تسمية الحركة (مجتمع السلم) وشعار المؤتمر الثاني ” السلم والتنمية” لتثبيت التوجه السلمي..
وتجدر الإشارة إلى أن هذا كله لم يكن مجرد كلام أو شعارات بل كان منطبعا في سلوكات المناضلين بشهادة الجميع؛ حتى بعض الدوائر في السلطة التي كانت تثق في شباب الحركة الوافدين من الخارج..ولقد كتب أ. محيي الدين عميمور عن الرجل الثاني في هذه الحركة الشيخ ” بوسليماني” (رحمه الله) مقالا تأبينيا (في مجلة الإرشاد) ذكر فيه أنه عندما كان سفيرا للجزائر في باكستان لاحظ تغيّرا إيجابيا واعتدالا وعدولا عن التهور في سلوك الشباب الجزائري هناك (في الجهاد الأفغاني) بعد زيارة الشيخ “بوسليماني” لهم (في بيشاور)الذي تأثروا به.. والكلام عن الفقيدين وحركتهما واحد.
3- المرونة والانفتاح الفقهي والسياسي:
التشدد والانغلاق على الذات ورفض الآخر.. كل ذلك كان من أخلاقيات وثقافات عموم الصحوة في بداياتها، ولولا أن الحديث يطول لذكرنا أحداثا عديدة عشناها شاهدة على أن التوجه العام كان على نحو تضخيم الصغائر ورفض الرخص والنظرة القريبة الضيقة التي ترى أنه بتطبيق جملة من الأحكام الفقهية المحدودة سيتحقق ” المجتمع الإسلامي” المنشود وتقوم دولته بين عشية وضحاها، دون أدنى اعتبار لأي طرف آخر له قناعات أو عقائد مخالفة.. ولاشك أن مثل هذا التوجه مازال موجودا في الساحة الإسلامية، ولكن الشيخ محفوظ (رحمه الله) جعل لـ ” حمس ” توجها متميزا بالوسطية والاعتدال ينظر أصحابه إلى بعيد ويؤمنون بالآخر، والشواهد على ذلك عديدة أيضا ومنها:
-الحوار الذي تبناه الفقيد وقال في شأنه ” نتحاور حتى مع الشيطان” حتى نعت به رحمه الله ونعته إحدى الصحف الكبرى (الخبر) بعنوان ” ..يرحل.. رجل التسامح و الحوار” ..
– التعامل مع المرأة بانفتاح ودون تزمت.. بدليل اندماج النساء في الحركة بشكل ملفت، حتى سميت ” حركة النساء” لأن وجودهن فيها لم يكن مألوفا في بقية التنظيمات..!
– التحالفات التي نادى بها أو عقدها المؤسس مع أطراف مختلفة والتي كان يسميها ” بارشوك” (واقي الصدمات) .
وبالمناسبة فإنه لم يكن يرحمه الله يتحرج من تعدد الأحزاب الإسلامية وقولته في ذلك مشهورة ” ينبغي أن لا نضع البيض كله في سلة واحدة.”
هذا غيض من فيض من شواهد معالم التجديد عند الراحل والمجال لا يتسع لذكر أكثر منه، والمتأمل يرى أن ما ذكرناه كان تجديدا بالفعل لأنه لم يكن مألوفا، بدليل أنه وجد معارضة شديدة حتى عند بعض أتباع الرجل والمناضلين معه.
- ج ـ القيـــــــم: أما قيم هذا التجديد وفوائده فتظهر في الآثار التي تركها والتي من أهمها :
1 – نجاة الحركة:
لقد مرت البلاد بفتنة كبرى – كما لا يخفى على أحد – ولكن حركة الفقيد (حمس) بفضل الله أولاً ثم بحكمة المنهج الجديد الذي سارت عليه خرجت سالمة قياسا بغيرها، متميّزة بأياد نظيفة من الدماء وبطون عفيفة من الحرام .. في حين أودت مناهج وتوجهات أخرى بأصحابها إلى نتائج غير محمودة وأوقعتها في هزات مختلفة الدرجات أدت إلى تلاشي البعض منها، وقد سمعنا في شهادات من كانوا مخالفين للمرحوم في تأبينه قولهم ” يكفيه فضلا أنه أنقذ سفينته وقادها إلى برّ الأمان..”!!.
- الاستفادة منه:
رغم معارضة الكثير من رجال الصحوة للشيخ محفوظ (رحمه الله) في توجهه التجديدي إلا أن أغلبهم قد اعترفوا فيما بعد بصوابه وأقروا بما كانوا عليه من خطأ في مخالفته لأن الأيام قد فرضت عليهم ذلك وأثبتت هذا الصواب .. ولم يكن للعاملين في الدعوة والسياسة بدّ من تبنّي العديد من المراجعات في نظراتهم ومناهجهم وقد توافقت مع ما كانت حركة حمس تعاكس به التيار قبل عقدين من الزمن .. ودون حاجة إلى ذكر أسماء الأشخاص والهيئات والبقاع، فإن المتأمل يرى أن الأحداث الراهنة تدل على ذلك رغم التشويشات والمكائد المحاكة ضد التيار الإسلامي التي تعمل على تغطية الحقائق وطمس كل ما جاء مفيداً منه.
- خسائر رفضه:
ومما يؤكد قيمة هذا المنهج الجديد أيضًا ما مُنِي به الوطن العزيز من خسارة جراء رفضه، حيث إن النظام الحاكم لم يتعامل معه بصدق وظل يراوغ ويتلاعب بالهيئة التي تمثله ولم يقدّرها القدر الذي يليق بجدّيتها وتضحياتها وتنازلاتها في حرصها على الوطن وحفاظها على مؤسسات الدولة، ولا أدل على هذا التلاعب من المبرر الكبير الذي خرجت بسببه الحركة من الحكومة وهو “عدم قبول النظام لترقية التحالف (بينه وبين الحركة) إلى شراكة حقيقية، وإبقاؤه جامداً ومحصورًا في مناصب حكومية زهيدة “!!.. ولنا أن نتصور كم ستكون قوة هذا الوطن بتلاحم قيادته وشعبه لو أخذ النظام بالأيادي النظيفة لأصحاب هذا المنهج وتعاون معهم على بناء البلاد وإصلاح العباد ومحاربة الفساد..!! ولكنه لم يفعل، ولذلك بقيت البلاد على صفيح ساخن لم تهدأ ولم تستقر أوضاعها، وكل الأرقام والتوقعات في شأنها لا تبشر بخير، الأمر الذي جعل المعارضة تتكتل لأول مرة أكبر تكتل في التاريخ وتلتقي على كلمة واحدة خوفاً على مستقبل الوطن، نسأل الله السلامة من أن تكون أزمتها اللاحقة أسوأ من السابقة!!.
والخلاصة هي أن الشيخ محفوظ (رحمه الله) كان مجدّداً مقارنة بما كان عليه عموم التيار الصحوة الإسلامية في زمنه، وأن منهجه هذا متاح للاستفادة منه داخل الحركات الإسلامية وخارجها لصالح الدين والأوطان .. رحمه الله وغفر له.
بقلم الأستاذ علي حلواجي | يوم الأحد 07 رمضان 1437هـ
12 جوان 2016م